مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )
218
تفسير مقتنيات الدرر
قال أبو عليّ الفارسيّ : « الضياء » لا يخلو من أحد أمرين إمّا جمع ضوء كسوط وسياط وحوض وحياض ، أو مصدر ضاء يضوء ضياء كقولك : قام قياما وصام صياما وعلى أيّ الوجهين فالمضاف محذوف أي ذات ضياء وذا نور ، ويمكن أن يقال : لمّا عظم الضياء والنور فيهما جعلا نفس الضياء والنور مثل زيد عدل ، والضياء والنور كيفيّة قابلة للشدّة والضعف فإنّ الضوء الحاصل في أوّل النهار أضعف من ضوء الحاصل في وسط النهار وكذلك النور القائم بالقمر . واختلف الناس في أنّ الشعاع الحاصل والنور الساطع هل هو جسم أو عرض . قال الرازيّ : والحق أنّه عرض لقوله : « قَدَّرْناه ُ مَنازِلَ » أي قدّر مسيره منازل أو المعنى وقدّره ذا منازل ، والضمير لهما وإنّما وحدّ للاتّحاد وإلَّا فهو بمعنى التثنية اكتفاء بالمعلوم لأنّ عدد السنين والحساب إنّما يعرف بسير الشمس والقمر ونظيره : « وَاللَّه ُ وَرَسُولُه ُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوه ُ » « 1 » وقيل : الضمير راجع إلى القمر وحده لأنّ بسير القمر تعرف الشهور . والشهور والسنين المعتبرة في الشريعة هي الشهور القمريّة . واعلم أنّ انتفاع الخلق بضوء الشمس ونور القمر عظيم وبحركتهما يحصل الفصول وباختلاف أحوالهما تختلف أحوال رطوبات هذا العالم ويبوساته وتنتظم مصالحه ويتعيّن زمان التكسّب والطلب والدعة والراحة وباختلاف حركاتهما ينشأ النباتات والأغذية من الحيوان والنبات وكلّ ذلك يدلّ على كثرة رحمة اللَّه على الخلق ولمّا تحقّق أنّ الأجسام متساوية فاختصاص كلّ جسم بشكله المخصوص وحيّزه المعيّن وأثر معلوم ما حصل إلَّا بتدبير المقدّر العالم الحكيم . والتقرير الَّذي قرّرنا يدلّ على أنّ جميع المنافع الحاصلة في هذا العالم بسبب حركات الأفلاك ومسير الشمس والقمر والكواكب وقد حصل بتدبيره سبحانه . ولمّا قرّر سبحانه هذه الدلائل على وجوه ختمها بقوله : * ( [ ما خَلَقَ اللَّه ُ ذلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ ] ) * . أي خلقها على وفق الحكمة والحقيقة كقوله : « وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا » « 2 » قال حكماء الإسلام هذه الآية تدلّ على أنّه أودع في أجرام الأفلاك والكواكب
--> ( 1 ) التوبة : 63 . ( 2 ) ص : 26 .